مقياس الصداقه الحقيقيه

 

وقد تلتبس مظاهر الحب في الاخلاء خاصة والناس عامة، وتخفى سماته وعلائمه، ويغدو المرء آنذاك في شك وارتياب من ودّهم أو قلاهم، وقد وضع أهل البيت عليهم السلام مقاييس نفسية تستكشف دخائل الحب والبغض في النفوس وتجلو أسرارها الخفية.

قال الراوي: سمعت رجلاً يسأل أبا عبد اللّه عليه السلام فقال:

الرجل يقول اودك، فكيف اعلم انه يودني؟

فقال عليه السلام: «امتحن قلبك، فان كنت توده فانه يودك» وقال عليه السلام في موطن آخر:

«انظر قلبك، فان انكر صاحبك، فاعلم أنه احدث» يعني قد احدث ما يوجب النفرة وضعف المودة.

وعن أبي جعفر عليه السلام قال:

«لما احتضر امير المؤمنين عليه السلام جمع بنيه، حسناً وحسيناً وابن الحنفية والاصاغر فوصّاهم، وكان في آخر وصيته : - يا بنيّ عاشروا الناس عشرة، ان غبتم حنّوا اليكم، وإن فقدتم بكوا عليكم، يا بنّي إن القلوب جنود مجندة تتلاحظ بالمودة، وتتناجى بها، وكذلك هي في البغض اليكم فارجوه، واذا ابغضتم الرجل من غير سوء سبق منه اليكم فاحذروه»
 الصداقة بين المدّ والجزر:

اختلف العقلاء في أيّهما ارجح وأفضل، الاكثار من الاصدقاء أو الاقلال منهم.

ففضل بعضهم الاكثار منهم والتوفر عليهم، لما يؤمل فيهم من جمال المؤانسة وحسن المؤازرة والتأييد.

ورجح آخرون الاقلال منهم، لما ينجم عن استكثارهم من ضروب المشاكل المؤدية الى التباغض والعداء، كما قال ابن الرومي:

عدوك من صديقك مستفاد*** فلا تستكثرن من الصحاب

فانّ الداء اكثر ما تراه*** يكون من الطعام او الشراب

والحق أنّ قيم الأصدقاء ليست منوطة بالقلة او الكثرة، وانما هي فيما يتحلون به من صفات النبل والاخلاص والوفاء، التي لا تجتمع الا في المثاليين منهم، وهم فئة قليلة نادرة تتألق في دنيا الاصدقاء تألق اللآليّ بين الحصا..

وصديق مخلص وفيّ خير من الف صديق عديم الاخلاص والوفاء، كما قال الاسكندر: المستكثر من الاخوان من غير اختيار كالمستوفر من الحجارة، والمقلّ من الاخوان المتخير لهم كالذي يتخير الجوهر.

حقوق الاصدقاء:

وبعد ان اوضح أهل البيت عليهم السلام فضل الاصدقاء الاوفياء، رسموا لهم سياسة وآداباً وقرروا حقوق بعضهم على بعض، ليوثقوا أواصر الصداقة بين المؤمنين، ومن ثم لتكون باعثاً على تعاطفهم وتساندهم. واليك طرفاً من تلك الحقوق:

1 - الرعاية المادية:

قد يقع الصديق في ازمة اقتصادية خانقة، ويعاني مرارة الفاقة والحرمان ويغدو بأمسّ الحاجة الى النجدة والرعاية المادية، فمن حقه حقه على اصدقائه النبلاء ان ينبروا لاسعافه، والتخفيف من أزمته بما تجود به اريحيتهم وسخاؤهم، وذلك من الزم حقوق الاصدقاء وابرز سمات النبل والوفاء فيهم، وقد مدح اللّه اقواماً تحلوا بالايثار وحسن المواساة فقال تعالى:

«ويؤثرون على انفسهم ولو كان بهم خصاصة» (الحشر: 9).

وقال الامام موسى بن جعفر عليه السلام لرجل من خاصته:

« يا عاصم كيف انتم في التواصل والتواسي؟

قلت: على أفضل ما كان عليه أحد.

قال عليه السلام: أيأتي أحدكم الى دكان اخيه او منزله عند الضائقة فيستخرج كيسه ويأخذ ما يحتاج اليه فلا ينكر عليه؟ قال: لا.

قال عليه السلام: «فلستم على ما احب في التواصل»

.

وقال ابو تمام:

اولى البرية حقاً ان تراعيه*** عند السرور الذي اساك في الحزن

إنّ الكرام اذا ما أسهلوا ذكروا*** من كان يألفهم في المنزل الخشن

وقال الواقدي:

كان لي صديقان: احدهما هاشمي، وكنا كنفس واحدة، فنالتني ضيقة شديدة وحضر العيد، فقالت امرأتي: أما نحن في أنفسنا فنصبر على البؤس والشدة، وأما صبياننا هؤلاء فقد قطعوا قلبي رحمة لهم،

لانهم يرون صبيان الجيران وقد تزينوا في عيدهم، وأصلحوا ثيابهم، وهم على هذه الحال من الثياب الرثّة! فلو احتلت بشيء تصرفه في كسوتهم! فكتبت الى صديقي الهاشمي أسأله التوسعة عليّ، فوجه اليّ كيساً مختوماً، ذكر ان فيه الف درهم، فما استقر قراري حتى كتب اليّ الصديق الآخر يشكو مثل ما شكوت الى صاحبي، فوجهت اليه الكيس بحاله، وخرجت الى المسجد فأقمت فيه ليلي مستحياً من امرأتي.

فلما دخلت عليها استحسنت ما كان مني، ولم تعنفني عليه.

فبينما انا كذلك إذ وافى صديقي الهاشمي ومعه الكيس كهيئته، فقال لي: اصدقني عما فعلته فيما وجهت اليك؟

فعرفته الخبر على وجهه، فقال: انك وجهت الي وما أملك على الارض الا ما بعثت به اليك، وكتبت الى صديقنا اسأله المواساة فوجه الي بكيسي! فتواسينا آلالف أثلاثاً!

ثم نمي الخبر الى المأمون فدعاني، فشرحت له الخبر، فأمر لنا بسبعة آلاف دينار، لكل واحدٍ ألفا دينار وللمرأة الف دينار - الرعاية الأدبية:

وهكذا تنتاب الصديق ضروب الشدائد والارزاء ما تسبب إرهاقه وبلبلة حياته، ويغدو آنذاك مفتقراً الى النجدة والمساندة لاغاثته وتفريج كربه.

فحقيق على اصدقائه الاوفياء ان يسارعوا الى نصرته والذب عنه، لساناً وجاهاً، لانقاذه من اعاصير الشدائد والازمات، ومواساته في ظرفه الحالك.

هذا هو مقياس الحب الصادق والعلامة الفارقة بين الصديق المخلص من المزيف.

قال امير المؤمنين عليه السلام:

«لا يكون الصديق صديقاً حتى يحفظ اخاه في ثلاث: في نكبته، وغيبته، ووفاته»

وقال الشريف الرضي:

يعرّفك الاخوان كل بنفسه*** وخير اخ من عرّفتك الشدائد

* * *

3 - المداراة:

والاصدقاء مهما حسنت أخلاقهم، وقويت علائق الودّ بينهم فانهم عرضة للخطاء والتقصير، لعدم عصمتهم عن ذلك. فاذا ما بدرت من احدهم هناة وهفوة في قول او فعل، كخلف وعد، او كلمة جارحة او تخلف عن مواساة في فرح او حزن ونحو ذلك من صور التقصير.

فعلى الصديق اذا ما كان واثقاً بحبهم واخلاصهم ان يتغاضى عن إساءتهم

ويصفح عن زللهم حرصاً على صداقتهم واستبقاءاً لودّهم، اذ المبالغة في نقدهم وملاحاتهم، باعثة على نفرتهم والحرمان منهم.

ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها*** كفى المرء نبلاً ان تعدّ معائبه

انظر كيف يوصي امير المؤمنين عليه السلام ابنه الحسن عليه السلام بمداراة الصديق المخلص والتسامح معه والحفاظ عليه:

«احمل نفسك من أخيك عند صرفه على الصلة، وعند صدوده على اللطف والمقاربة، وعند جموده على البذل، وعند تباعده على الدنو، وعند شدته على اللين، وعند جرمه على العذر، حتى كأنك له عبد، وكأنه ذو نعمة عليك.

واياك ان تضع ذلك في غير موضعه او تفعله بغير أهله، لا تتخذنّ عدو صديقك صديقاً فتعادي صديقك، وامحض أخاك النصيحة حسنة كانت او قبيحة، وتجرع الغيظ. فاني لم أر جرعه احلى منها عاقبة ولا الذّ مغبّة، ولِن لمن غالظك فانه يوشك ان يلين لك، وخذ على عدوك بالفضل فانه احلى الظفرين، وان اردت قطيعة اخيك فاستبق له من نفسك بقية ترجع اليها إن بدا له ذلك يوماً ما، ومن ظن بك خيراً فصدق ظنّه. ولاتضيعن حق اخيك اتكالاً على ما بينك وبينه. فانه ليس لك بأخ من اضعت حقه»

وقال الامام الحسن عليه السلام لبعض ولده:

«يا بني لا تؤاخ احداً حتى تعرف موارده ومصادره، فاذا استبطنت

الخبرة ورضيت العشرة فآخه على إقالة العثرة، والمواساة في العشرة» (1).

وقال ابو فراس الحمداني:

لم أواخذك بالجفاء لاني*** واثق منك بالوداد الصريح

فجميل العدو غير جميل*** وقبيح الصديق غير قبيح

وقال بشار بن برد:

اذا كنت في كل الامور معاتباً*** صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه

فعش واحداً أو صِل اخاك فانه*** مقارف ذنب مرة ومجانبه

اذا انت لم تشرب مراراً على القذى*** ظمئت واي الناس تصفو مشاربه

وقال ابو العلاء المعري:

من عاش غير مداج من يعاشره*** اساء عشرة اصحاب واخدان

كم صاحب يتمنى لو نعيت له*** وإن تشكيت راعاني وفدّاني

ومن اروع صور مداراة الاصدقاء واجملها وقعاً في النفوس: الاغضاء عن اساءتهم والصفح عن مسيئهم.

ولذلك مظاهر واساليب رائعة:

1 - ان يتناسى الصديق الاساءة ويتجاهلها ثقة بصديقه، وحسن ظن به، واعتزاراً باخائه، وهذا ما يبعث المسيء على اكبار صديقه وودّه والحرص على صداقته.

2 - ان يتقبل معذرة صديقه عند اعتذاره منه، دونما تشدد او تعنت في قبولها. فذلك من سمات كرم الاخلاق وطهارة الضمير والوجدان.

3 - ان يستميل صديقه بالعتاب العاطفي الرقيق، استجلاباً لودّه، فترك العتاب قد يشعر باغفاله وعدم الاكتراث به، او يوهمه بحنق الصديق عليه واضمار الكيد له.

ولكن العتاب لا يجدي نفعاً ولا يستميل الصديق الا اذا كان عاطفياً رقيقاً كاشفاً عن حب العاتب ورغبته في استعطاف صديقه واستدامة وده، إذ العشرة فيه والافراط منه يحدثان رد فعل سيّئ يضاعف نفار الصديق ويفصم عرى الود والاخاء.

لذلك حثت الشريعة الاسلامية على الصفح والتسامح عن المسيء وحسن مداراة الاصدقاء خاصة والناس عامة.

قال تعالى: «ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم، واستغفر لهم، وشاورهم في الامر» (آل عمران: 159).

وقال سبحانه: «إدفع بالتي هي احسن، فاذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم، وما يلقاها الا الذين صبروا، وما يلقاها الا ذو حظ عظيم» (حم السجده: 34 - 35).

وعن ابي عبد اللّه عليه السلام قال: «قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله: «امرني ربي بمداراة الناس كما امرني بأداء الفرائض» وقال صلى اللّه عليه وآله: «أعقل الناس اشدهم مداراة للناس»

يكون بغيضك يوماً ما، وابغض بغيضك هوناً ما، عسى ان يكون حبيبك يوماً ما»

وقال الصادق عليه السلام لبعض اصحابه:

«لا تطلع صديقك من سرك الا على ما لو اطلع عليه عدوك لم يضرك قان الصديق قد يكون عدوك يوماً ما»

قال المعري:

خف من تودّ كما تخاف معادياً*** وتمار فيمن ليس فيه تمار

فالرزء يبعثه القريب وما درى*** مضر بما تجنى يدا أنمار

وقال أبو العتاهية:

ليخل امرؤ دون الثقات بنفسه*** فما كل موثوق ناصح الحب

* * *

(3) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 28 اكتوبر, 2009 02:51 م , من قبل bogos199
من المغرب

السلام عليكم ورحمة الله
جزاك الله خيرا على المقال العطر
عهدنا منك دوما هذا التألق في الكلمة والرقي في الاداء
تقبل مروري
اخوك محمد
دوما في انتظار الجديد

اضيف في 28 اكتوبر, 2009 04:21 م , من قبل belaawham

السلام عليكم ورحمة الله تعالى وبركاته


طرح قيم تحليل راقي ورائع
سلمت اناملكم وزادكم الله من نوره وفضله
لكم كل الاحترام والتقدير
أمة الله**بلا أوهام**

اضيف في 06 نوفمبر, 2009 04:02 ص , من قبل حلويات سريعة
من المملكة العربية السعودية

اولاً اود ان اشكرك على موضوعك المميز

ثانياُ لك كل احترام وتقدير



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية