قال سبحانه وتعالى : (وَالْعَصْرِ *إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * الاّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ).
الانسان والمجتمع في تدهور واضطراب وخسران في جميع مقومات الحياة وميادينها ، باستثناء من تكون المفاهيم والقيم الدينية هي الحاكمة على مسيرته وحركته ؛ حيث تحرر تلك القيم الإنسان والمجتمع معاً من جميع العبوديات الفكرية والاجتماعية والتربوية ، وتزرع في الضمير وخلجات النفس وفي الواقع الاستقرار والطمأنينة التي هي أساس الصحة النفسية والخلقية ، وتدفع الى العمل الايجابي البناء في اصلاح وتغيير النفس والمجتمع ، وأساس القيم المعنوية والنفسية الايمان بالله تعالى وباحاطته التامة بالانسان في حركاته وسكناته ، وهو الذي يجعل الضمير طامعاً في ثواب الله ، وخائفاً من غضبه وعقابه.
وأثبتت حركة التاريخ وسننه المتتابعة انّ الابتعاد عن الدين فكراً وسلوكاً هو أساس جميع الوان الانحراف والانحطاط الفردي والاجتماعي ، ابتداءً بفقدان الصحة النفسية والروحية ، وانتهاءً بالممارسات المنحرفة ، ولهذا نجد انّ الانحراف يتزايد في المجتمعات غير الدينية التي لا تؤمن بمفاهيمه أو لا تتبناه منهجاً لها في الحياة. قال تعالى : فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى*وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى.
والضنك هو الضيق في كلّ شيء ، وهو لازم لمن أعرض عن ذكر الله ، والاعراض يبعد القلب عن الهدوء ، والنفس عن الطمأنينة ، ويجعل الانسان يعيش الانفلات من الرقابة الذاتية فلا كابح لشهواته ورغباته ونزواته ، فيكون همّه اشباعها بأيّ طريق أمكن دون النظر الى الآثار الوخيمة المترتبة على ذلك القيم المعنوية تشمل : الايمان بالله ، والايمان بالثواب والعقاب ، وذكر الله ، وذكر الموت ، والاعتراف بالذنب ، والاستغفار ، والتوبة ، والرضا بالقضاء. وفيما يلي نستعرضها تباعاً :
1 ـ الايمان بالله تعالى
الانسان مجبول بفطرته على الايمان بالله تعالى ، حيث يبدأ منذ الطفولة بالتساؤل عن نشوئه ونشوء الكون ، وعن العلة من وراء ذلك ، والايمان بالله من (أهم القيم التي يجب غرسها في الطفل... ممّا سوف يعطيه الأمل في الحياة والاعتماد على الخالق ويوجد عنده الوازع الديني الذي يحميه من اقتراف الآثام)والايمان بالله حاجة ضرورية ، وفي هذا الصدد قال باسكال : (كل شيء غير الله لا يشفي لنا غليلاً)
ويرى الفيلسوف المعاصر الدوس هكسلي انّه (لا تستريح البشرية حتى يتجرّد الانسان من عوائقه ونزعاته ، ولا يكون متجرّداً إلاّ إذا ارتبط برباط آخر ألا وهو الله)
ويرى عالم النفس السويسري كارل يونج (ان انعدام الشعور الديني يسبب كثيراً من مشاعر القلق والخوف من المستقبل ، والشعور بعدم الأمان ، والنزوع نحو النزعات المادية البحتة ، كما يؤدي إلى فقدان الشعور بمعنى ومغزى هذه الحياة ، ويؤدي ذلك إلى الشعور بالضياع) ، وقد استخدم هذا العالم الدين في علاج كثير من مرضاه النفسيين
وهذه المشاعر وما يرافقها من نزوع نحو النزعات المادية هي أساس الانحراف الفكري والعاطفي والسلوكي وأساس الشرور والآثام ، ولا وقاية إلاّ بالايمان بالله تعالى ، ولا علاج إلاّ بتعميق الايمان في النفوس والايمان له آثار إيجابية في جميع مقوّمات النفس والحياة ، ومنها : الصحة النفسية والعقلية والخلقية ، ومن أقوال أمير المؤمنين عليه السلام في هذا الصدد :
1 ـ « من عرف الله سبحانه لم يشقَ أبداً ».
2 ـ « التوحيد حياة النفس ».
3 ـ « الإيمان أمان ».
4 ـ « من عدم الفهم عن الله سبحانه لم ينتفع بموعظة واعظٍ ».
5 ـ « بالإيمان يستدلّ على الصالحات »(1).
والايمان بالله تعالى باعث للسلوك القويم ؛ حيث يجعل الخير والصلاح أصيلاً ثابتاً لا عارضاً مزعزعاً ، ومن آثار الايمان على نفس الفرد هي : التفاؤل ، التفتح ، الطمأنينة ، التمتع باللذات المعنوية ، مقاومة الانحراف ، الصبر على المصائب ، التنافس على عمل الصالحات وغيرها من مقومات الاستقامة وحسن السيرة والسريرة.
ومن آثاره الاجتماعية : احترام القوانين والضوابط الاجتماعية ، تقديس العدالة ، الشعور بالاخوة والمحبة بين الافراد ، الثقة المتبادلة ، الاحساس بالمسؤولية الاجتماعية ، التقوى ، الايثار ، نكران الذات ، تقبل النصيحة والنقد البنّاء.
ومن هنا فتعميق الايمان بالله ضروري جداً في تربية الانسان وخصوصاً في مرحلة الطفولة ، وهو وحده الذي يحصنه من الانحراف ويوجه ضميره وارادته وسلوكه نحو الاستقامة والصلاح لايمانه بوجود قوة غيبية تتابعه في حركاته
وسكناته.
والايمان كما جاء في قول الامام علي بن موسى الرضا عليه السلام : « الإيمان أداء الفرائض واجتناب المحارم ، والايمان هو معرفة بالقلب واقرار باللسان وعمل بالأركان والايمان التزام واستشعار للرقابة الآلهية ، قال رجل للاِمام الصادق عليه السلام : أوصني ، فقال له : « لا يراك الله حيث نهاك ، ولا يفقدك حيث أمرك »
فقال الرجل : زدني ، فقال عليه السلام : « ما أجد لك مزيداً »
وقال عليه السلام : « خف الله كأنك تراه ، وإن كنت لا تراه فإنّه يراك »
2 ـ الايمان بالثواب والعقاب
الايمان بالثواب والعقاب واستشعاره في العقل والضمير هو الزمام الذي يكبح الشهوات والنزوات ، وهو اكثر ايقاظاً للعقل والقلب والارادة ؛ حين يوجه الكيان الانساني الى اليوم الخالد الذي يقف فيه الانسان أمام من لا تخفى عليه خافية وأمام من يحيط بالانسان والحياة والكون.
والايمان بالحياة الاخرى حافز على اصلاح النفس والضمير ، وحافز للتسامي والارتقاء في جميع مقوّمات الشخصية الانسانية ، ومقومات الحياة الانسانية
ومن أقوال أمير المؤمنين عليه السلام في هذا المجال :
1 ـ « من أحبّ الدار الباقية لهي عن اللّذات ».
2 ـ « من اشتاق إلى الجنّة سلا عن الشهوات ».
3 ـ « من خاف العقاب انصرف عن السيئات »
وجعل الآخرة هماً للانسان يسهم مساهمة فعالة في اصلاح النفس واصلاح الضمير واصلاح السلوك ، والتفكير المتواصل بالآخرة يحصن الانسان من المعصية ، وهذه حقيقة ملموسة وواقعية.
قال أمير المؤمنين عليه السلام :
1 ـ « اجعل همك لمعادك تصلح ».
2 ـ « من اكثر من ذكر الآخرة قلّت معصيته »
والايمان بالثواب والعقاب في دار الدنيا يحرك الانسان نحو عمل الخير ويوجهه نحو التكامل ، ويردعه عن الباطل والانحراف ، وقد وردت عدة روايات حول السنن المرتبطة بالثواب والعقاب ، نذكر منها على سبيل المثال : قول الامام محمد الباقر عليه السلام : « صلة الارحام تزكي الأعمال ، وتنمي الأموال ، وتدفع البلوى ، وتيسر الحساب ، وتنسيء في الأجل »
وقال عليه السلام : « ما من نكبة تصيب العبد إلاّ بذنب »
وقال الامام جعفر الصادق عليه السلام : « انّ الذنب يحرم الرزق
وقال عليه السلام : « من عيّر مؤمناً بذنب لم يمت حتّى يركبه »
وقال عليه السلام : « من استشار أخاه فلم يمحضه محض الرّأي سلبه الله عزّوجلّ رأيه »
وعن الامام محمد الباقر عليه السلام قال : « وجدنا في كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : اذا ظهر الزنا من بعدي كثر موت الفجأة ، وإذا طفّف المكيال والميزان أخذهم الله بالسنين والنقص ، وإذا منعوا الزكاة منعت الأرض بركتها من الزّرع والثمار والمعادن كلّها ، واذا جاروا في الأحكام تعاونوا على الظلم والعدوان ، وإذا نقضوا العهد سلّط الله عليهم عدوّهم ، واذا قطعوا الأرحام جعلت الأموال في أيدي الأشرار ، واذا لم يأمروا بالمعروف ولم ينهوا عن المنكر ولم يتبعوا الأخيار من أهل بيتي سلّط الله عليهم شرارهم فيدعو خيارهم فلا يستجاب لهم »
والايمان بوجود تقييم موضوعي للناس على أساس الثواب والعقاب يسهم في البناء التربوي السليم ، وهو تشجيع للمحسن وردع للمسيء.
قال أمير المؤمنين عليه السلام : « لا يكونن المحسن والمسيء عندك بمنزلة سواء ، فانّ ذلك تزهيد لأهل الاحسان في الاحسان ، وتدريب لأهل الاساءة على الاساءة ، فالزم كلاًّ منهم ما ألزم نفسه أدباً منك ينفعك الله به وتنفع به أعوانك »
ـ ذكر الله تعالى
قال تعالى : (الا بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ).
اطمئنان القلب يحقق التوازن النفسي والانفعالي داخل النفس الانسانية ، وهو أحد أعمدة الصحة النفسية التي تسهم مساهمة فعّالة في ارتقاء الانسان سلم الكمال والمسيرة الصالحة.
وذكر الله يصدّ عن فعل القبيح لاستشعار الرقابة الالهية المطبقة على حركات الانسان وسكناته ، فلا يقدم على أي ممارسة مخالفة للموازين الالهية في السلوك والعلاقات الاجتماعية ، ولا يقدم على أي عمل لا يحرز فيه رضا الله تعالى.
وأول ثمار ذكر الله تعالى الابتعاد عن الشيطان الذي يوسوس للانسان ويزيّن له الانحراف ، والابتعاد عن الشيطان أو ابعاده عن التأثير مقدمة لاصلاح خلجات النفس ثم الممارسات العملية.
قال أمير المؤمنين عليه السلام : « ذكر الله مطردة الشّيطان »
وقال عليه السلام : « ذكر الله دعامة الإيمان وعصمة من الشيطان »
ولذكر الله تعالى تأثير في علاج الأمراض النفسية ، وهي عامل مساعد للانحراف ، وعلاج النفس يسهم في تقبل منهج الاستقامة والصلاح.
قال أمير المؤمنين عليه السلام : « ذكر الله دواء أعلال النفوس
قال أمير المؤمنين عليه السلام : « أصل صلاح القلب اشتغاله بذكر الله »
وقال أيضاً : « من عمّر قلبه بدوام الذكر حسنت أفعاله في السرّ والجهر »
والذاكر لله يذكره الله ، وهذا الذكر له تأثيراته العملية على الشخصية الانسانية في جميع مقوماتها ، قال أمير المؤمنين عليه السلام : « من ذكر الله سبحانه أحيى الله قلبه ونوّر عقله ولبّه »
ومصاديق الذكر متعددة ومتنوعة لا حدود لها ، وقد وردت عدة روايات تؤكد على : التسبيح ، والتهليل ، والتحميد ، والتكبير ، وقول : لا حول ولا قوة إلاّ بالله ، ولكل واقعة أو حدث أو قضية ذكر معين ، كالحمد لله ، حسبي الله ، أتوكل على الله ، وغير ذلك.
وهنالك مصاديق عملية وواقعية لذكر الله ولتعميق صلة العبد بربّه تسهم في ردع الانسان عن الانحراف والشرور وتدفعه الى الاستقامة والصلاح ، ومن هذه المصاديق
أولاً : قراءة القرآن الكريم
القرآن الكريم أحد وسائل الارتباط بالله تعالى ، وهو نور يستضيء به الإنسان ، ففيه منهاج شامل للبشرية جمعاء يعين الانسان على الاستقامة
والتقيد بالموازين الصالحة والضوابط السلوكية السليمة.
قال أمير المؤمنين عليه السلام : « كفى بالقرآن داعياً »
وقال عليه السلام : « القرآن أفضل الهدايتين ».
وقال عليه السلام : « ما جالس أحد هذا القرآن إلاّ قام بزيادة أو نقصان ؛ زيادة في هدىً ، أو نقصان في عمىً »
والقرآن الكريم شفاء من جميع الأمراض والعلل النفسية التي تؤدي غالباً الى الانحراف كالوسوسة والقلق والحيرة ؛ لأنّه يوصل القلب بمنعم الرحمة والرأفة فيسكن ويطمئن ويستشعر الحماية والأمن.
قال أمير المؤمنين عليه السلام : « أحسنوا تلاوة القرآن فانّه أنفع القصص واستشفوا به فانّه شفاء الصدور »
وقال الامام موسى الكاظم عليه السلام : « في القرآن شفاء من كل داء »
وقراءة القرآن تجعل أجواء المنزل وأجواء الأسرة أجواءً روحانية تتسامى فيها النفوس وتتوجه نحو الاستقامة والصلاح.
قال أمير المؤمنين عليه السلام : « البيت الذي يقرأ فيه القرآن ويذكر الله عزّوجلّ فيه ، تكثر بركته ، وتحضره الملائكة ، وتهجره الشياطين ، ويضيء لأهل السماء كما تضيء الكواكب لأهل الأرض ، وإنّ البيت الذي لا يقرأ فيه القرآن ولا يذكر الله عزّوجلّ فيه ، تقلّ بركته ، وتهجره الملائكة ، وتحضره الشياطين
ثانياً : الدعاء
الدعاء يجعل الانسان مستشعراً للارتباط بمنعم الوجود والرحمة والرعاية ، وبه تطمئن النفس ويستريح القلب ، ويبقى في علاقة متواصلة مع القوة المهيمنة على الحياة بأسرها ، والتي تحيط به وتراقبه باستمرار.
وبالدعاء يرتقي الانسان في سلم الصلاح والاستقامة ويبتعد عن الانحراف ، وخصوصاً حينما يتمرّن على طلب العون من الله تعالى لاصلاح نفسه وانقاذها من الانحراف والرذيلة.
والدعاء بنيّة خالصة كفيل بتسامي الانسان وتكامله الروحي والخلقي ، وهذا الأمر لا يحتاج إلى برهان ، لأنّ فيه تجتمع جميع العوامل المساهمة في السمو والتكامل ومنها :
1 ـ الرغبة في الصلاح والسمو والتكامل.
2 ـ طلب العون من الله تعالى.
3 ـ استجابة الله تعالى لطلب عبده ، لاخلاصه في الطلب ، وانسجام طلبه مع المنهج الالهي.
قال الإمام محمد الباقر عليه السلام : « لا والله لا يلحّ عبد مؤمن على الله عزّوجلّ في حاجته إلاّ قضاها له »
والدعاء شفاء من كل داء ، وخلو النفس من الداء يسهم في اصلاحها
وتقبلها للارشاد والتوجيه الصالحين.
قال الإمام الصادق عليه السلام : « عليك بالدعاء ، فإنّ فيه شفاءً من كلّ داء
وأكّد أهل البيت عليهم السلام على المداومة على الدعاء فهو بنفسه اصلاح للنفس والضمير وتهذيبهما ، وقد اثبتت التجارب التربوية انّ الأحداث الذين ترعرعوا في أجواء مليئة بذكر الله بالدعاء وغيره أكثر استقامة من غيرهم وأقل انحرافاً.
ثالثاً : العبادة
العبادة رابطة روحية تربط الانسان بالمطلق وعالم الغيب والمعنويات ، وبها يتصل القلب بمنعم الوجود اتصالات متنوعة ، وهذه الاتصالات تجعله يستشعر الرقابة الالهية فلا يجرأ على الانحراف ، ويتوجه نحو الاستقامة.
وأبرز مصاديق العبادة الصلاة وهي حصن حصين من الانحراف بعد اندحار الشيطان بواسطتها.
قال أمير المؤمنين عليه السلام : « الصلاة حصن الرحمن ، ومدحرة الشيطان ».
وقال عليه السلام : « الصلاة حصن من سطوات الشيطان »2.
والصلاة باركانها تحرك الانسان نحو الصلاح والاستقامة ، كما ورد عن أمير المؤمنين عليه السلام : « والسجود النفساني فراغ القلب من الفانيات ، والاقبال بكنه الهمّة على الباقيات ، وخلع الكبر والحميّة ، وقطع العلائق الدنيوية ، والتحليّ بالخلائق النبوية »وهي كما قال عليه السلام : « الصلاة صابون الخطايا
ـ ذكر الموت
ذكر الموت له دور هام في ضبط النفس والردع عن عمل القبيح ، فانّ ذكره الدائم باللسان بعد استشعاره بالوجدان يوجه الأنظار الى تلك الحقيقة التي تنهدم فيها الشهوات واللذات ، ويصبح الانسان من خلالها رهين القبر بانتظار الثواب والعقاب ، فيتوجه الانسان بجميع جوارحه نحو المثل والقيم العليا ليجسدها في واقعه السلوكي والخلقي.
ومن آثار ذكر الموت كما وردت عن أمير المؤمنين عليه السلام :
1 ـ « من ذكر الموت رضي من الدنيا باليسير ».
2 ـ « من ذكر المنية نسي الأمنية ».
3 ـ « أبلغ العظات النظر إلى مصارع الأموات والاعتبار بمصاير الآباء والأمهات ».
والترفّع عن أمور الدنيا المادية يجعل الانسان يعيش في أجواء المعنويات
قال الامام جعفر الصادق عليه السلام : « ذكر الموت يميت الشهوات في النفس ، ويقطع منابت الغفلة ، ويقوّي القلب بمواعد الله ، ويرق الطبع ، ويكسر أعلام الهوى ، ويطفي نار الحرص ويحقر الدنيا
وحثّ أمير المؤمنين عليه السلام على الاكثار من ذكر الموت لدوره في اصلاح النفس وسموها ولكي تستعد لما بعده فقال : « اكثر ذكر الموت وما تهجم عليه وتفضي إليه بعد الموت حتّى يأتيك وقد أخذت له حذرك ، وشددت له أزرك ، ولا يأتيك بغتة فيبهرك ».
وقال عليه السلام : « رحم الله امرءاً بادر الأجل ، واكذب الأمل ، وأخلص العمل ».
وقد أثبتت الدراسات الميدانية انّ الأجواء الاجتماعية التي يكثر فيها ذكر الموت وما بعده من أهوال وصعاب أو ثواب ونعيم ، أقرب للصلاح والاستقامة من غيرها من الأجواء ، ولا غرابة ان نجد المجتمعات غير الاسلامية مبتلاة بالكثير من الانحرافات والجرائم لابتعادها عن هذه المفاهيم والقيم.
5 ـ الاعتراف بالذنب
الاعتراف بالذنب له دور كبير في تهذيب النفس واصلاحها وفي تشخيص
أسباب القلق والاضطراب النفسي ، ولا تبقى تلك الأسباب ضاغطة على العقل والقلب والارادة ، وبه يشكو الانسان من نفسه الأمارة بالسوء طلباً لما يلي :
1 ـ إزالة مشاعر الذنب والاثم.
2 ـ التخفيف من عذاب تأنيب الضمير.
3 ـ اعادة الاطمئنان للنفس المضطربة.
4 ـ التصميم على عدم تكرار الذنب.
5 ـ التفكير في الاستقامة من جديد.
وقد استخدم العلاج النفسي اسلوب الاعتراف للوصول الى الصحة النفسية للمريض بعد الاطلاع على الامور المكبوتة والمخزونة في اللاشعور ، وفي أثناء جلسات العلاج يسترخي المريض ويطلق العنان لذكرياته كي تفيض وتطفو فوق سطح الشعور ، ومن طرق العلاج طريقة التطهير النفسي أو التفريغ الانفعالي وهي (تصريف الشحنة الانفعالية الحبيسة داخل صدر الانسان أو الافصاح عمّا يجثم على صدر المرء من الهموم والآلام والمشاعر والمشاكل والصراعات والتوترات والضغوط ، وهذه العملية تسبب للفرد الشعور بالارتياح... وتؤدي إلى إزالة أو اضعاف العقد النفسية أو الى تقليل التوترات الانفعالية الناجمة من الصراعات...).
وإذا كان المذنب أو المنحرف لا يعترف لانسان مثله بذنبه أو انحرافه إلاّ بصعوبة بالغة ؛ فإنه يعترف أمام الله تعالى بها دون حرج أو حياء لأنه يقف أمام واهب الرحمة والمحيط بسكنات النفس وخفاياها ، وهذا الاعتراف يكون مقدمة لصلاح النفس ثم صلاح السيرة العملية ، فلا تلاحقه بعدها الهموم
والضغوطات النفسية.
ومن الآثار الايجابية للاعتراف كما ذكرها أمير المؤمنين عليه السلام حيث قال :
1 ـ « شافع المذنب اقراره ، وتوبته اعتذاره ».
2 ـ « من اعترف بالجريرة استحقّ المغفرة ».
3 ـ « عاصٍ يقرّ بذنوبه خير من مطيع يفتخر بعمله ».
4 ـ « من أحسن الاعتذار استحقّ الاغتفار »
6 ـ الاستغفار
الاستغفار مفهوم اسلامي ينتقل بالانسان من مرحلة الوقوع في الانحراف إلى مرحلة تجاوزه والعودة إلى الهداية والاستقامة ، وهو نقلة نوعية في مسيرته وحركته الفردية والاجتماعية ، فالنفس الانسانية حين ترتكب الخطيئة يختل توازنها وتماسكها ، وتصبح عرضة للوساوس والهواجس ، فيجد الشيطان طريقه إلى هذه النفس فيقودها الى الانحراف تلو الانحراف ، ولكن الاستغفار يردها إلى الاستقامة ويقوي صلتها بالله تعالى.
والاستغفار علاج واقعي للانحراف ويسهم في اجتثاث آثاره السلبية على القلب والارادة ، وهو الدواء كما جاء في عبارات أهل البيت عليهم السلام .
قال أمير المؤمنين عليه السلام : « الاستغفار دواء الذنوب ».
وقال عليه السلام : « الذنوب الداء ، والدواء الاستغفار ، والشفاء أن لا تعود »(2).
وقال الامام جعفر الصادق عليه السلام : « من أذنب من المؤمنين ذنباً ، أجّل من
غدوة إلى الليل ، فإن استغفر لم يكتب له ».
وقال عليه السلام : « إذا أكثر العبد من الاستغفار ، رفعت صحيفته وهي تتلالأ »
وقال عليه السلام : « لا صغيرة مع الاصرار ، ولا كبيرة مع الاستغفار والاستغفار الحقيقي هو العمل الايجابي المتسلسل لاقتلاع جميع جذور وآثار الانحراف ، وهو يمرّ بمراحل وخطوات عملية.
سمع أمير المؤمنين عليه السلام رجلاً يقول : استغفر الله ، فقال : « ثكلتك اُمّك أو تدري ما حدّ الاستغفار ؟ الاستغفار درجة العلّيين ، وهو اسم واقع على ستّة معان :
أولها : الندم على ما مضى.
والثاني : العزم على ترك العود إليه أبداً.
والثالث : أن تؤدي إلى المخلوقين حقوقهم حتى تلقى الله عزّوجلّ أملس ليس عليك تبعة.
والرابع : أن تعمد إلى كل فريضة ضيّعتها فتؤدي حقّها.
والخامس : أن تعمد إلى اللحم الذي نبت على السحت والمعاصي فتذيبه بالأحزان حتى تلصق الجلد بالعظم وينشأ بينهما لحم جديد.
والسادس : أن تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية.
فعند ذلك تقول : أستغفر الله »
والاستغفار عموماً فرصة جديدة لاصلاح النفس والعودة إلى الاستقامة ، بعد التغلب على اليأس والقنوط من الاصلاح والتهذيب ، وبهذه الفرصة يجد الانسان الأمل والتفاؤل لكي يسمو ويتكامل ضمن التعاليم والارشادات الصالحة.
7 ـ التوبة
التوبة عودة إلى الاستقامة والنزاهة وحسن السيرة ، وهي باب من أبواب الهداية والاصلاح ؛ فبها يرجع الإنسان سوياً يستشعر الرحمة والطمأنينة ، فلا آلام ولا عقد نفسية ولا حجب ضبابية عن الاستقامة والاعتدال ، وبدون التوبة يبقى المذنب يعيش القلب والاضطراب والازدواجية بين الفكر والسلوك ، وقد يتمادى في ذنوبه وانحرافاته إن شعر بعدم علاجها إلى أن يصل إلى الانحطاط التام ، ولهذا جاءت التوبة لمحو الذنوب والعودة إلى الاستقامة باستشعار الرحمة والرأفة الإلهية.
قال أمير المؤمنين عليه السلام : « التوبة تطهر القلوب ، وتغسل الذنوب »
وقال عليه السلام : « لا تيأس لذنبك وباب التوبة مفتوح »
وقال عليه السلام : « إن الندم على الشر يدعو إلى تركه )وللتوبة تأثير ايجابي على قلب الانسان وخلجات نفسه ، قال الامام جعفر الصادق عليه السلام : « إذا أذنب الرجل خرج في قلبه نكتة سوداء ، فإن تاب انمحت ،
وإن زاد زادت حتى تغلب على قلبه ، فلا يفلح بعدها أبداً
والتوبة تغيير حقيقي نحو الأفضل والأصلح ، ولذا فهي تتم عبر مقومات ودعائم وأركان نابعة من جميع خلجات وجوارح الانسان ، قال الإمام محمد الجواد عليه السلام : « التوبة على أربع دعائم : ندم بالقلب ، واستغفار باللسان ، وعمل بالجوارح ، وعزم أن لا يعود »
ومن مظاهر التوبة البكاء من خشية الله تعالى ، وهو عامل ايجابي في التخفيف من القلق والاضطراب الناشئين من الذنوب ، وله دور في رقة القلب ، وله دور في اعادة الأمل للتسامي والتكامل والفوز بالنعيم الخالد.
قال الامام جعفر الصادق عليه السلام : « إنّ الرجل ليكون بينه وبين الجنّة أكثر ممّا بين الثرى والعرش لكثرة ذنوبه ، فما هو إلاّ أن يبكي من خشية الله عزّوجلّ ندماً عليها ، حتى يصير بينه وبينها أقرب من جفنته إلى مقلته
وقال أمير المؤمنين عليه السلام : « البكاء من خشية الله ينير القلب ويعصم من معاودة الذنب »
ومن أروع ما في التوبة آثارها الايجابية ، فكفارة الذنوب تتجسد في أعمال وممارسات صالحة ونافعة للمجتمع.
قال أمير المؤمنين عليه السلام : « من كفارات الذنوب العظام إغاثة الملهوف ، والتنفيس عن المكروب »











السلام عليكم حياك الله اخي
وبارك الله في عملك